ابن كثير

289

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 26 إلى 40 ] كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ( 26 ) وَقِيلَ مَنْ راقٍ ( 27 ) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ ( 28 ) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ( 29 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ ( 30 ) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى ( 31 ) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 32 ) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ( 33 ) أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 34 ) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ( 35 ) أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً ( 36 ) أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ( 40 ) يخبر تعالى عن حالة الاحتضار وما عنده من الأهوال ثبتنا اللّه هنالك بالقول الثابت فقال تعالى : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ إن جعلنا ( كلا ) رادعة فمعناها لست يا ابن آدم هناك تكذب بما أخبرت به بل صار ذلك عندك عيانا ، وإن جعلناها بمعنى « حقّا » فظاهر ، أي حقا إذا بلغت التراقي أي انتزعت روحك من جسدك وبلغت تراقيك ، والتراقي جمع ترقوة وهي العظام التي بين ثغرة النحر والعاتق ، كقوله تعالى : فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [ الواقعة : 83 - 87 ] وهكذا قال هاهنا : كَلَّا إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ ويذكر هاهنا حديث بسر بن جحاش الذي تقدم في سورة يس . والتراقي جمع ترقوة وهي قريبة من الحلقوم . وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال عكرمة عن ابن عباس : أي من راق يرقى ، وكذا قال أبو قلابة : وَقِيلَ مَنْ راقٍ أي من طبيب شاف ، وكذا قال قتادة والضحاك وابن زيد ، وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا روح بن المسيب أبو رجاء الكلبي ، حدثنا عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس وَقِيلَ مَنْ راقٍ قال : قيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ فعلى هذا يكون من كلام الملائكة . وبهذا الإسناد عن ابن عباس في قوله : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال : التفت عليه الدنيا والآخرة ، وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ يقول آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة فتلتقي الشدة بالشدة إلا من رحمه اللّه « 1 » . وقال عكرمة : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ الأمر العظيم بالأمر العظيم ، وقال مجاهد : بلاء ببلاء ، وقال الحسن البصري في قوله تعالى : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ هما ساقاك إذا التفتا ، وفي رواية عنه ماتت رجلاه فلم تحملاه وقد كان عليهما جوالا ، وكذا قال السدي عن أبي مالك ، وفي رواية عن الحسن : هو لفهما في الكفن ، وقال الضحاك : وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ اجتمع عليه أمران : الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه . وقوله تعالى : إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ أي المرجع والمآب وذلك أن الروح ترفع إلى السماوات ، فيقول اللّه عز وجل : ردوا عبدي إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها

--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 12 / 347 .